الرئيسية / محاضرات / حاجة طالب العلم إلى علوم السنة

حاجة طالب العلم إلى علوم السنة

محاضرة ((حاجة طالب العلم إلى علوم السنة))

ألقيت في مجلس “رياض الجنة” بمكة المكرمة

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض, وجعل الظلمات والنور, ثم الذين كفروا بربهم يعدلون, الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة, يجب عليه شكرها, ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته, الذي هو كما وصف نفسه, و فوق ما يصفه به خلقه.

الشريف عبدالله فراج
الشريف عبدالله فراج

أحمده حمدا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله, و أستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به, وأستهديه بهداه, الذي لا يضل من أنعم به عليه, وأستغفره لما أزلفت وأخرت, استغفار من يقر بعبوديته, ويعلم أنه لا يغفر ذنبه و لا ينجيه منه إلا هو.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك , أن محمدا عبده ورسوله. أصلى عليه وأسلم وأبارك, كما أمرت, وأحبه المحبة التي تملك منى القلب, وتعلو على محبتي لنفسي ولوالدي وأولادي, بل والناس أجمعين, لعلمي ألا محبة لربي تصح إلا مع محبة نبيه, وصفيه من خلقه من بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده, حتى أتاه اليقين سيدي رسول الله وأصلي على آل بيته الأطهار, وأدعو بالرضا لصحبته الأخيار.

وبعد:

فحديثي إليكم في هذه الليلة المباركة, أرجو أن يكون حديثا من القلب, يجري به اللسان, ليبلغ أسماع أحبة بيني وبينهم أعظم نسب, نسب العلم, الذي طلبه على كل مسلم فريضة, ومصدره كتاب ربنا, الذي به هدينا إلى كل خير, والذي هو أصل كل علم فجماع ما أبان الله لخلقه في كتابه, مما تعبدهم به لما مضى من حكمه جل ثناؤه من وجوه, كما كان يقول إمامنا محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله وهي أربعة:

أولها:

ما أبانه لخلقه نصا, مثل جمل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجا وصوما, وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن, وحرم مع غير ذلك مما بين نصا.

وثانيها:

ما أحكم فرضه بكتابه, وبين كيف هو على لسان نبيه, مثل عدد الصلاة, والزكاة, ووقتها, وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه.

وثالثها:

ما سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ليس لله فيه نص حكم, وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله فبفرض الله قبل.

رابعها:

ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه, وأبتلى طاعتهم في الاجتهاد, كما أبتلى طاعتهم في غيره مما فرض.

فأصل العلم كله, إنما هو في كتاب الله وسنة سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يبلغ أحد شأوا في هذا العلم ما لم يعلم بهما, وتقع السنة تالية لكتاب ربنا, ويعرفها المحدثون: بأنها: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة, وسواء أكان ذلك قبل البعثة لتحنثه في غار حراء أو بعدها.

وذلك لأنهم بحثوا عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الهادي الذي أخبر الله عنه: أنه أسوة لنا وقدوة, فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وخلق وشمائل وأخبار وأفعال, سواء أثبتت حكما شرعيا أم لا.

ويعرفها علماء الأصول أنها: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم من قول أو فعل أو تقرير, مما يصلح أن يكون دليلا لحكم شرعي.

وذلك أنهم إنما بحثوا عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشرع الذي يضع القواعد للمجتهدين من بعده, ويبين للناس منهج الحياة الذي ارتضاه لهم ربهم, لذلك عنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها.

ويعرفها الفقهاء بأنها: كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من باب الفرض أو الواجب, فهي الطريقة المتبعة في الدين من غير افتراض ولا وجوب, وقد تطلق عندهم في مقابلة البدعة, وهي الأمر المستحدث الذي أطلق في الشرع عندهم على كل ما أحدثه الناس من قول أو فعل في الدين وشعائره مما لم يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وأحكام الشريعة كلها إنما ترجع في الأصل إلى هذين المصدرين (الكتاب ثم السنة) وكل ما أعتبر دليلا بعدهما فإنما يرجع استنباطه إليهما, فالكتاب والسنة صنوان لا يفترقان, فالسنة النبوية ودعونا تخصص المصطلح فنقول: الحديث النبوي, هو في الجملة موافق للقرآن الكريم يفسر مبهمه ويفصل مجمله, ويقيد مطلقه ويخصص عامه, ويشرح أحكامه كما أنه يأتي بأحكام لم ينص عليها القرآن الكريم, فالسنة في الواقع التطبيق لما جاء به القرآن العظيم, تطبيقا يتخذ مظاهر مختلفة, مما نعبر عنه بقوله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته.

فمن لم يعلم السنة لم يعلم الكتاب, ولم يفقه أحكامه, نص ذلك كتاب ربنا في آياته فقال تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقال: (من يطع الرسول فقط أطاع الله), وقال:( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). لهذا فهي وحي من الله كالقرآن, وإن كان لفظها من عند سيد خلقه المصطفى للرسالة من عباده – صلى الله عليه وسلم – فالله عز وجل يقول: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي)

والسنة لها علوم كثيرة, عددها الإمام أبو عمر وعثمان بن عبدالرحمن الشهير بابن الصلاح في كتابة علوم الحديث, حتى بلغ بها خمسة وستون فرعا, وهي رغم أنه اختصر الحديث عنها إلا أن كل واحد من هذه الأنواع يكتب فيه لو أردنا مؤلفا مستقلا.

وهذه العلوم كلها لازمة لطالب العلم الشرعي, لأنه بدونها لا يستطيع أن يتحمل ما يعد له من مهمة سامية, فهو إنما يعد لتحمل علم الدين الذي لا يتحمله إلا عن الله عز وجل, وعن رسوله – صلى الله عليه وسلم- فعلوم القرآن كافة هي ما يؤسس به علمه, ثم علوم السنة النبوية, فلن يصل إلى الدرجة التي يرنوا إليها في العلم إلا بهذا.

وأول ما يجب عليه إدراكه منها أن يعلم الفرق بين علم الحديث رواية: وهو ما يشتمل على أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم_ وأفعاله وتقريراته وصفاته, وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها, والذي بذل علماء الحديث الجهد الكبير ليقدموه له في دوابين السنة التي بين أيدينا اليوم بفضلهم, وأن تكون صلته بها مباشرة يقرأها على مشايخه, ويردد النظر فيها, بعد أن يكون قد حصل علوم القرآن.

وبين علم الحديث دراية والذي يقصد به: العلم بالقوانين التي يعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد, وهي القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي, وهو ما يطلق عليه مصطلح الحديث مع أن علم الحديث رواية أيضا يعني بمعرفة كل حديث من حيث القبول والرد, ومعرفة شرحه ومعناه وما يستنبط منه.

والسند كما نعلم يطلق على سلسلة الرواة من لدن الصحابي الرواي للحديث عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى دوّن الحديث, وأما المتن فهو ما ينتهي السند إليه من الكلام.

والإسناد مصطلح يطلق على إضافة الحديث إلى قائله ونسبته إليه, وقد يطلق أحدهما على الآخر أعني السند والإسناد, كما أنهما قد يطلقان على رجال الحديث أنفسهم (الرواة), وإنما يعرف ذلك بالقرائن, وهذا الإسناد إنما خصت به هذه الأمة الوسط, خير أمة أخرجت للناس, فلم تعرف قبلها أمة عنيت برواة أخبارها, وأحاديث نبيها, ما عرفت به هذه الأمة يقول أبو حاتم الرازي رحمه الله: (لم يكن في أمة من الأمم من خَلْقِ الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل ألا في هذه الأمة) فأهل الكتاب قبلنا من يهود ونصارى لم يعتنوا حتى بضبط الرواية لكتبهم المقدسة, حتى أنه قيل أن الكتاب المقدس عند النصارى بقسمة القديم (بعض التوراة) والجديد (الأناجيل), أربعة وعشرون ألف مخطوطة لا تماثل أحداهما الأخرى.

فمن نعم الله على هذه الأمة أن هداها إلى هذا العلم الفريد العظيم الفائدة (الإسناد) فحفظت به كتاب ربها, حتى أصبح الصغير في كُتّابه في مجاهل أفريقيا لو قدم إليه مكتوب حرف فيه شي في أي الكتاب العظيم لاكتشفه بسهولة فائقة, وبه حفظت ما أثر عن نبيها صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير وصفة خَلْقية وخُلُقية وسيرة مضبوطة معلومة, فميزت من الروايات ما صح وقبلته, وما لا يصح فردته, لهذا قال الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله: (الإسناد عندي من الدين, ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).

وقد بدأ ضبط الرواية منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم فتشددوا في قبلوها حتى تطمئن إليها النفس, ويغلب على الظن صدق من روى, لهذا قالوا: بيننا وبين القوم القوائم, يعنون السند والإسناد, ويقول الإمام الثوري: (الإسناد سلاح المؤمن, وإذا لم يكن معه سلاح فبأي شي يقاتل), وجاء عن ابن سيرين رحمه الله: (أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) وقال الإمام الأوزاعي: (ما ذهب العلم إلا بذهاب الإسناد).

ولعل هذا تحقيقا لوعد الله عز وجل بحفظ الدين في قوله تعالي: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

وما أضاع المسلمون العلم إلا عندما تهاونوا بعلوم السنة, خاصة في عصورهم المتأخرة, حيث حشد في كثير من الكتب من الأحاديث المنكرة والموضوعة, والضعيفة التي لا تقوم بها حجة , وبنيت عليها اجتهادات وأفكار أخرت الأمة وفرقت بين جماعاتها وطوائفها, أيد كل فريق مما تعصبوا لمذاهبهم بالأحاديث التي وهت أسانيدها, والاقتصار في زماننا على ما يقدمه بعض مشايخنا لطلابهم في مختصرات مصطلح الحديث كنخبة الفكر وشروحها, وما يتلونه في مجالسهم من كتب الحديث دون العناية بالتأسيس لطلاب العلم بالمعرفة الحقيقة لعلوم السنة وتعريفهم الطريق للوصول إلى مصادرها الأصلية.

فنحن وإن عكفنا على قراءة الصحاح والسنن والمسانيد والمستدركات ولقناها للتلاميذ بالسند طلبا للبركة, فإنا نخطئ إذا لم نفتح الطريق لهم للإلمام بهذه العلوم, حتى يتمكنوا من التمييز بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود لإعداد عالم في المستقبل تستفيد منه الأمة, ومن علمه وجهده, ولا نكتفي بهذا حتى نعرفهم على هذه الخطة المشينة, التي تبناها من قبل في الزمن القديم ملاحدة, وفي العصور الوسطى والحديثة قسس ورهبان مستشرقون للتشكيك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التقطها بعض المنتسبين إلى الإسلام, ممن ضعف إيمانهم أو عدم, ممن أسموا أنفسهم في زماننا قرآنيين, وهم يجهلون حتى تلاوة كتاب الله, وهؤلاء الذين يعلنون ما أسموه تنويرا وهو في الحقيقة إظلام للعقول.

فاليوم الهجمة شرسة على سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا وسيلة لنا لصدها إلا بتحصين أبنائنا, خاصة منهم طلاب العلم الديني بما يستطيعون به المواجهة.

فنحن في حاجة إلى علماء مبدعين كأولئك الذين بنو لنا صرح الحديث رواية ودراية بهذه العلوم المرصودة في مصادرها, وهذا لن يحدث إلا بإعداد علمي متجاوز, ولعلي أقول أن المدارس والجامعات لم تنجح حتى يوم الناس في أن تعد لنا مثلهم, والأمل منوط بعلماء يعقدون حلقات الدرس لطلاب العلم, لا يرجون من ورائها مالا ولا يسعون بها إلى مناصب, غايتهم رفعة دينهم, وإبلاغه للناس كما هو صاف من منابعه.

وهم قد عكفوا عليه منذ نعومة أظفارهم, وتلقوه عن من هم مثلهم من أخيار علماء الأمة, الذين كانوا نجوما يهتدى بهم في عالمنا المسلم, خاصة في الحرمين الشريفين, ومثل هؤلاء هم من قد يمنحون شبابنا من طلبة العلم المعرفة الضرورية بعلوم السنة, ويأهلونهم للذود عن السنة في وجه هذه الهجمة الشرسة.

فاليوم قل بين المنتسبين إلى العلم الشرعي من صلته وثيقة بكتب تواريخ الرجال, التي رصد فيها العلماء سير الرواة وعرفوا بهم, بما يؤول إلى تعدليهم أو جرحهم, ليعرفهم طالب العلم بأعيانهم وأسماءهم وأنسابهم, وإن كان له بها صلة لم يفهم عبارة من كتبوها.

وأندثر بين طلاب العلم علم الجرح والتعديل, فلم يعلموا قواعده,و ظهر بين الناس مدعون له, أخذوا ينشرون بين الناس زيفا يصححون ما وهي من الأسانيد, ويضعفون ما صح منها, وبلغ بعضهم من الوقاحة قدرا دعته للزعم بأن في الصحيحين موضوعات, وألقى لهم السمع من الخلق من خلا وفاضه من علم, وران على قلبه غفلة أوردته المهالك.

ومظاهر الإهمال الشديد للسنة تظهر في كثير من الأحيان اليوم على بعض من يطلقون الفتاوى, التي تعروا عن دليل, وتعتمد أقوال علماء ومعاصرين ينقلها عنهم, ويضفي عليهم من الأوصاف ما يظن أنه يقنع طالب العلم بتقليدهم دون أن يعلم دليلهم على ما حكموا به وكم حرّم مباح وأحل حرام بقول لا مرجع له من قول الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم, ولعل أول من يفعل مثل هذا من يدعو الناس إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة , ويبطل مع هذه كل اجتهاد للعلماء ولو كانوا أعلاما كالأئمة الأربعة رحمه الله وأثابهم على ما بذلوا لأمتهم من جهد واجتهاد.

وفي تلك المظاهر التي بدأت تطفوا على السطح أن تقرأ كتبا ينقل مؤلفوها من الأحاديث ما شاءوا فلا يخرجونها, ولا يشيرون إلى درجتها من الصحة أو الضعف أو الوضع, بل لعلهم أحيانا ينسبون إلى كتب السنة أحاديث وإن لم ترد فيها أصلا.

ويبلغ الإهمال أقصى مداه عندما يوهمك هذا المؤلف بأنه أعلم الناس بالسنة, لاستخدامه من مصطلحات أهل علم الحديث ما شاء له هواه, فإذا دققت النظر في ما يقول علمت يقينا أنه لا يفقه لها معنى.

إن السنة النبوية والسيرة جزؤها المكمل لها, هي الوجه الأصيل للعلم, الذي يتوصل به إلى المنهج الإسلامي الصحيح الذي يجب أن تعلمه الأمة وتسير عليه, ولكن هذا لا يتوصل إليه إلا بعلم وإنما يتلقى دوما من أفواه العلماء, وبالجثو على الركب في حلقات دروسهم, لهذا أجادوا من قبلنا وفشلت أجيالنا الجديدة في تحصيل هذا العلم على الصورة المرتضاة, والتي تؤهل طالب العلم للمهمة التي نعده لها, والتي ينير بها الطريق للناس للوصول إلى رضا الله, فرضاه سبحانه وتعالي الغاية والمرتجى, وطالب العلم إن لم يطلبه مخلصا لربه عاملا بما يعلم لم يسهل له الطريق إليه.

ودعوني أحدثكم عن مستقبل علوم السنة في ما يلي من حاضر الأمة ومستقبلها, فأنتم تعلمون أن علماء الأمة منذ نهاية القرن الأول الهجري وحتى عهد قريب منذ قرن أو قرنين, وأجيالهم تتوالي يرسخون البناء لعلوم السنة للحفاظ على ميراث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فسادتنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتحوا التأسيس لعلوم السنة حينما تحملوا عنه عليه الصلاة والسلام العلم, وأدوه كما سمعوه منه, فقد عرفوا منزلة سنته فتمسكوا بها, وتتبعوا آثاره وأبو أن يخالفوها, واشتدوا على من أكثر الرواية منهم, وطالبوه بأن يأتي بمن يعاضده فيما سمع, لا تهمة لأحد منهم, ولكن حفظا لسنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أن يدخلها شوب أو تدليس أو كذب منافق فاجر أو إعرابي جاهل, والمروي عنهم في هذا الباب لو أردنا أن نستقصيه لاحتجنا إلى أيام وليالي.

ثم جاء بعدهم التابعون فحذوا حذوهم, وقعدوا القواعد, وأحصوا المروي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم_ وانتشرت مراكزهم العلمية لذلك في المدينة المنورة, ومكة المكرمة, والكوفة, والبصرة, والشام ومصر, والمغرب, والأندلس, فاليمن, وخراسان, ونشأت في عهدهم الرحلة في طلب الحديث.

وقد بدأ تدوين الحديث في عهد سيدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وقد كتب بعض الصحابة صحيفة بما سمعه من رسول الله من العلم لعبدالله بن عمر بن العاص, ثم استمر التدوين في عهد التابعين, وشاعت كتابة الحديث بينهم, وما جاء أول القرن الثاني الهجري وأحد ينكر على من يكتب الحديث وشجع هذا أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز, وطلب من أبي بكر بن حزم جمع الحديث, وكان علما من أعلام التابعين, يقول عنه الإمام مالك: (ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءة ولا رأيت مثل ما أوتي: ولاية المدينة, والقضاء, والمواسم).

ثم جاء المصنفون الأوائل للحديث نذكر منهم ابن جريج ومحمد بن إسحاق ومحمد بن ذئب, وسفيان الثوري, ومعمر بن راشد, وعبدالله بن المبارك ولن نحصيهم فهم معرفون.

ولعل أول كتاب في السنة جمع الرواية والفقه موطأ الإمام مالك, ثم تلا ذلك كتابه المسانيد وأشهرها مسند الإمام أحمد, ثم جاء دور التصنيف في الحديث الصحيح فظهر صحيح الإمام البخاري, وصحيح مسلم, ثم أهل السنن في جوامعهم, ثم استمر التدوين حتى القرن السابع الهجري, وثم ظهرت الكتب الجامعة على حروف المعجم, وألف في المعاجم التي تذكر الحديث ودرجته من الصحة والضعف, ودونت كتب التراجم وتاريخ الرجال منذ البداية وكتب الجرح والتعديل ثم ألف في الموضوعات والمرسل من الحديث.

وترك لنا علماء الأمة ثورة هائلة في علوم السنة لا مستزيد لأحد على ما جاء فيها ولو عني المسلمون بها حق العناية لاستخرجوا منها اللآلئ التي يشتغلون بها في مشروع عام للسنة يدرؤوا عنها كل تحرير أو تشكيك.

والسنة النبوية تعرضت منذ القديم, عندما ظهرت حركة الوضع بعد الفتنة الكبرى, إلى الهجوم عليها, حينما اندس بين المسلمين أهل المصالح والأهواء, وحاول كل حزب أن يؤيد دعواه بتأول نصوص القرآن والسنة النبوية, ثم انحرف البعض فوضع من الأحاديث ما يؤيد دعواه, صنع هذا بعض الشيعة وبعض الخوارج, والمتعصبون لمذاهبهم, ثم ظهر الزنادقة أو قل الملاحده فحاولوا الدس بوضع الأحاديث, ثم ظهر من سموا بالقصاص ممن كانوا يتصدون للوعظ, فيلجأون لوضع أحاديث ليجتمع إليهم الناس فيضع لهم ما يرضيهم أو ما يحرك عواطفهم ويقول بعضهم: أنه يكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكذب عليه, وقد كان البلاء في مثل هذا عظيم, فهم لا يرون في ما صنعوا ذنبا, بل لعل بعضهم يرى ما يصنع له فضل فيه.

ومع هذا كله فلم يستطع كل هؤلاء شيئا يذكر في صرف المسلمين عن سنة نبيهم – صلى الله عليه وسلم- ومن أتي بعدهم من مستشرقين سواء أكانوا قساوسة أو يدعى علما طبيعيا, أو كانوا تبعا لهم ممن ضلوا عن الهدى من المسلمين, وبقيت سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المصدر الثاني الأساس لأحكام هذه الشريعة الإسلامية التي ما تمسك المسلمون بأحكامها إلا كانوا في المكان اللائق بهم بين أمم الأرض, وما فقدوا هذه المكانة إلا حينما أعرضوا عن التمسك بها.

ولهذا فقد جئت الليلة مجلسكم وأنتم طلاب العلم الساعين لتحصيله لأثير فيكم الهمة لتحصيل علوم السنة لتهيئوا أنفسكم للدفاع عن دينكم في زمن يتعرض فيه المسلمون ودينهم لكثير من الهجمات الشرسة من أعداء الإسلام.

وأسوأ الأعداء من لبسوا ثيابنا ونطقوا بلساننا, وأيدوا عدونا, وأخذوا يروجون لأفكاره, وينشرون دعواته الباطلة.

ومواجهة هذا لا تكون بالعاطفة فقط, وإنما تكون بالعلم اليقيني فالعالم بالشيء هو من يستطع إقناع الناس به, ثم الدفاع عنه بحق, أما الجاهل له فلا سبيل له إلى ذلك أبدا.

عن عبدالله فراج الشريف

تربوي سابق وكاتب متخصص في العلوم الشرعية كلمة الحق غايتي والاصلاح أمنيتي.

شاهد أيضاً

صورة الشريف عبدالله فراج من محاضرة الأديب محمد عبدالجبار

محاضرة عن الاديب عبدالله عبدالجبار

محاضرة عن الاديب عبدالله عبدالجبار

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: