الرئيسية / محاضرات / حمزة شحاته الشاعر الفيلسوف

حمزة شحاته الشاعر الفيلسوف

كلمة ألقيت في منتدى الأنينية

بمناسبة

مئوية الشاعر حمرة شحاته

بسم الله الرحمن الرحيم

حمزة شحاته الشاعر الفيلسوف

حمزة شحاته الشاعر الذي ولد على تراب هذا الوطن قمة شامخة كما يقول أديبنا الكبير عزيز ضياء رحمهما الله, والذي تحدث عنه كثيرًا, ورأى فيه قمة عرفت ولم تكتشف, ولا تزال هذه العبارة تنطبق على حمزة الفيلسوف, الذي لم يزل تراثه الأدبي والفكري يحتاج لمن يغوص فيه, ويستخرج من جواهره بعضها,

الشيخ عبدالله فراج الشريف
الشيخ عبدالله فراج الشريف

ويكتشف ما اشتملت عليه من صنوف المعرفة, خاصة الفلسفة, التي ينفر منها في بلادنا, رغم أنها المؤسسة لسائر المعارف الإنسانية, وترجع قراءات شاعرنا الكبير في مصادرها لزمن مبكر من حياته, حيث كان يبحث عن ترجمات لموروث فلاسفة اليونان, ويقرأ لفلاسفة المسلمين, وهو شاب غضي الاهاب يقبل علي العشرين من سني عمره, الذي لم يُطَلْ, وأفادته رحلته إلى الهند وتعلمه اللغة الإنجليزية مزيد سياحة في المعرفة الفلسفية, حتى فاجأ الناس بمحاضرة في مساء يوم من عام 1359 في المتنفس الذي كان للأدباء وأهل الفكر آنذاك بأم القرى ((جمعية الإسعاف الخيرية)) التي مثلت أولى مؤسسات المجتمع المدني في هذا الوطن, كان لها عظيم الأثر في المجتمع الذي أنشأها, ثم لم يتواصل الفعل لمزيد من إنشاء هذه المؤسسات, مما أدى إلى تراجع حاد في حرية التعبير بعد ذلك, فقد كانت هذه المحاضرة نسقًا من الفكر غير معهود ليرمى في الساحة بمسلمات فلسفية, أظن أن قبولها حينئذ إنما دفعت إليه الدهشة والانبهار, وليس الاقتناع.

وقد أوجز _رحمه الله_ غايته لما كان يلقيه على مسامع من حضروا تلك الليلة للاستماع فقال: ((لا تكون النظرة إلى حقائق الحياة خالصة الا من أناس يرون أنفسهم فوق قيودها وقوالبها, وهؤلاء يدعون بالمجانين مرة, وبالفلاسفة وقادة الفكر تارة, لأن حظ الصفات والمبادئ والنزاعات يرتبط دوما بحظ الداعين إليها والمتصفين بها من النجاح والفشل))

((وأكد أن هذه حقيقة فطن لها الناس من القدم, وليس هذا حظ الأحياء فحسب, بل حظ المبادئ والأغاني والنظريات والفضائل وحظ موقعي بينكم الليلة أيضًا))

ثم أبان بوضوح غايته ليعلم سامعيه أهم ما يمارسه الفيلسوف, فقال: ((وأنا أريد التجريد والتعرية كباحث لا كمحاضر, فإني لو قصرت كلامي على الرجولة, أو على الخلق الفاضل, خشيت أن يتحول حديثي إلى موعظة, لا تعدو أن تكون تمدحًا حماسيًا بالفضائل, دون تحليلها وردها إلى مصادرها, وتحديد قيمها.. ومعاييرها .. وأثرها في صميم الحياة وعلاقتها بالنفوس))

ويقول: ((والتجريد مبدأ قديم لي أو هو مرضي الذي لا أشفى منه, عرفني به من عرفوا طريقتي في الحياة, ومن قرأوا نظراتي في الخير والشر, في الفضائل والرذائل, وفي الحب والشعر))

سادتي فأول مبادئ البحث الفلسفي هو التجريد, وقد مضى شاعرنا في أهم آثاره النثرية, وهي هذه المحاضرة, التي من أجل هذا المبدأ والغاية الفلسفية غير عنوانها المقترح {الخلق الكامل عماد الرجولة} ليجعله {الرجولة عماد الخلق الفاضل}, قائلا: ((أن أزحزح العنوان المقترح عن وضعها قليلا فيكون {الرجولة عماد الخلق الفاضل} لا الكامل, فما يزال الكمال نشدة الحياة المطولة ووهمها الذي تنساق أبدا في طلابه, وما دامت الحياة تمتد ولا تنتهي, وقوافل الأحياء تسير ما يثقل خطاها الزمن الجاهد, وما دام التغيير الدائم دأب الحياة وسبيل ما فيها, فهل نقول أن شيئًا كمل قبل أن يوفي على غايته ويبلغ تمامه))

فالحرية عند شاعرنا تعني ما عبر عنه قائلا: ((أنا لست أعلم معنى لهذه الحرية, بيد أني ألفت أن أطلق لفكري عنانه, فهذا عندي أخلق بأن يجعلني أكثر شعورًا بحياتي وفهمًا لها)) ولعل الحرية بهذا المعنى عند ما تغيب عنه هي ما تقلقه, وهو ما دعاه في زمن القيود أن يرحل بعيدًا, ويمضي غريبًا.

وشعر الأستاذ حمزة شحاته كما هو نثره ينحو دومًا إلى عمق النظرة إلى الحياة عبر فلسفة آمن بها لا تعرف القيود, وتعتمد التجريد للوصول إلى الحقائق, ففي هذه المحاضرة التي استمر إلقاؤها أربع ساعات كاملة, لم يقاطعه فيها سوى التصفيق إعجابًا بما يلقي, ناقش هموم الوطن وما يتطلع إليه أهله, وتحدث عن الجمال وأراده أن يلم بكل جوانب الحياة, ويجرده عن الرغبات والأنانية, وتكلم عن الفضيلة وجرد لها معنى يخلصها من عوائقها, سواء أكان نفعًا أم أذى, يبني الإنسان أحكامه بهما عليها, كذا الرجولة والأخلاق فبالتجريد يصل دومًا إلى الحقائق, وعلى هذا المنوال تحدث عن الكرم والشجاعة, وجال عبر الفضائل والرذائل كلها كما عرفها الناس, وكما أكد معانيها عبر التجريد, فنجده مثلا يقول: ((القناعة كانت فضيلة, ولا تزال فضيلة الصابر المحروم, لأنها رمز الاكتفاء القوي عن الناس, والتحكم في مطالب النفس وحد طماحها, ترفعًا عن التدني لالتماسها منهم, ولكنها اليوم فضيلة خاملة, توشك أنت تنقلب إلى رذيلة, وفي عرف الحياة الراهنة ومصطلحاتها طورها الحديث, فهي معدودة في الفقير تسليمًا وعجزًا عن إدراك الرغائب, وفي الغنى دلالة الاستكفاء, ولو قلنا أنهما في الغني والفقير دليل سمو النفس وترفعها, لم نقل حقًا, ولا يسعنا أن ننكر أن قناعة الفقير والضعيف والعاجز عزاء يلتمس لتخفيف وطأة الشعور بالحرمان عن النفس)) وهكذا يعرف التواضع والكبرياء والأثرة ثم يتحول للرذائل من كذب وبخل وجبن.

ثم يعود إلى الواقع فيقول: ((فمتى تكفلت الأنظمة بحماية الحريات الفردية وبحماية الحريات والحقوق, وقام الفرد بواجبه القانوني في صلاته المعينة الحدود بالناس, استوى في القمة الحليم والأحمق, والضعيف والمستهتر, والكاذب والصادق, والشجاع والجبان, والأناني والإيثاري, ما دامت رذائل الإنسان لا تتناول غيره بالأذى والإساءة, وليس لنا أن نطمع في تحويل تيارات الحياة, فالحياة لا تخرج على قوانينها, ولا تتكيف على ما يطابق ميولنا, وإنما الإنسان يكيف حياته ومطالبه على وفق ضروراتها))

وفي النهاية يقول: ((إن رأس الفضائل هو الحياء, الذي هو القوة والرحمة والعدالة, التي كانت في حياة سيدنا رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ تضحية صادقة إلى آخر حدود طاقة النفس الإنسانية واحتمالها, كان حياء يدفع الناس ألا ينهزموا في مواضع الجهاد أمام الكثرة, وأما الموت المحقق, كانت حياة لا يترك فيها الغنى يأكل حتى يشبع الضعيف, كانت مثلا أعلى تضربه قطعة من لحم, كما تضربه قافلة ضخمه يجلبها عثمان للتجارة فينفقها للحياء.

وهكذا تجيء بعد استحياءات شاعرنا يناشد بها أبناء وطنه, فيطالب الخطيب الذي يضلل الضمائر أن يستحي, وكذا المتحدث الذي يخدع أخاه, وكذا الكاتب الذي يئد الحق والجمال والقوة ليظهر, ثم الفاضل يتاجر بفضيلته ليفيد بها مالا وسمعة وجاهًا, وهكذا يخاطب كل فئات الناس ولا يترك منهم أحدًا بلفظ استح ويقول: ليكن الحياء شعار الضمائر في هذه الأمة, وشعار حياتنا وشعار الفضائل فيها, وأساس التربية لأولادنا, فكم نحتاج لمثل الأستاذ حمزة في أيامنا هذه ليقول لكثيرين منا أستحوا.

ولو أردنا البحث في رفات عقله, والتي كان تعليقات له يسطرها بقلمه لا لينشرها, وإنما ينفس بها رغبة لا يستطيع كبتها, وما بقي منها هيأه للنشر الأستاذ عبدالحميد مشحص, فبقيت شاهدة على فكر الشاعر العملاق, وروحه الوثابة, رغم ما كان يعاني من قسوة الظروف وهذه بعض منها {الذبح يؤلم الخرفان, ولكنه لا يحركها للثورة, ولا يدفعها للهرب, وهناك شعوب لا يستطاع ابتكار أساليب تحركها مع أنها تتألم, إن هذه الأمة كالمعدة القوية تهضم كل شيء بسهولة, وهذه علة هوانها} كأني به عبر هذه المقولة يأسى للشعوب التي لا تحركها الآلام والتي تهضم حتى الإذلال.

ويقول في بعض الرفات {متى أغرم الإنسان بالتقصي والكشف والفحص صار أكثر الناس تقديرًا لنعمة الجهل والراحة} فكم هم الناعمون بالجهل والراحة, لأنهم لا يتقصون ليعرفوا الحقيقة, ولا يفحصون الواقع ليعرفوا مدى ما تسرب إليه من الفساد, بل إن شاعرنا يرى ألا حد للبواعث عند من يحس ويدرك, وليحيل بذلك إلى القول ألا بواعث للألم عند من توقف عنده الإحساس وعدم الإدراك, ويقول عن المرآة ولعله قد أساء الظن بها (المعركة الأبدية بين الرجل والمرأة غير متكافئة ينتصر فيها الرجل باستمرار ولكنه الضحية دائما) ويقول: (من الصعب أن تثبت براءتك عند ما تكون بجانب امرأة تصرخ)

وحينما كتب مقالة طويلة عن الحمار, كان يريد أن ينتقد الإنسان ممثلًا في نفسه, فتراه يدعي مشابهة بينه وبين حماره, ليظهر نوازعه فيري أن حماره ينفرد إذا مشى عن بقية الحمير, فإن اتجهت إلى اليمين اتجه إلى اليسار, فهو يميل إلى التفرد والانطواء, ومخالفة التيار العام أو السائد, تمامًا كما يفعل صاحبه فيتقوقع في حدود ذاته, وينطوي على نفسه وكتبه, ويتأمل في الكون والحياة, ويشرح المجتمع الذي يعيش فيه, ويعرى الإنسانية من أرديتها الزائفة, حتى تغذوا البشرية سافلة خير منها ألف مرة تلك الحيوانية التي لا يحكمها إلّا قانون الغابة).

وثورة شاعرنا على الواقع وما فيه من مساوي لا حدود لها وهي التي أرهقته وجعلته ينطوي على نفسه بعيدًا عن الناس, يقول أستاذنا الناقد والأديب الرائد عبدالله عبدالجبار مفسرًا سلوك صديقه الشاعر: (وأصحاب الطبع العاطفي بفطرتهم يتأرجحون بين الانطوائية والانبساطية, وهذه الميزة تبدوا واضحة في حمزة شحاته, سواء في حياته أو في شعره, فقد يهرب في المجتمع ويتقوقع داخل داره أو غرفته متأملا أو منغمسا في قراءات طويلة ومتنوعة, يقرأ كل شيء, ولا يكاد يظهر للناس, حتى إذا ظننا أو اعتقدنا أنه آثر الوحدة والانعزال, ألفيناه فجأة يغشى المجالس والمجتمعات, ويلقي أصدقاءه ومعارفه وينغمس في دنيا الحياة والأحياء والبيع والشراء, ويمثل الروح الانبساطية بأجلى معانيها, ولكنه لا يلبث أن ينصرف تدريجيًا إلى الانطواء والانفراد.

سادتي.. من أراد تتبع المعرفة الفلسفية في أدب وفكر شاعرنا الكبير فإنه سيجدها مبثوثة في كل ما أبدع شعرًا ونثرًا في ديوانه وفي أثره الخالد (الرجولة عماد الخلق الفاضل) أو في (رفات العقل) أو في (حمار حمزة شحاته) أو في رسائله إلى ابنته شيرين, أو أصدقائه, أو حتى في ما لم ينشر له حتى الآن ويمكن نشره, أو ذاك الذي لم ينشر وقد يحول دون نشره محظورات.

هذا هو الشاعر الفيلسوف الذي أحببت وأحبه معي جيل بأكمله.

الشريف/ عبدالله فراج العبدلي

عن عبدالله فراج الشريف

تربوي سابق وكاتب متخصص في العلوم الشرعية كلمة الحق غايتي والاصلاح أمنيتي.

شاهد أيضاً

صورة الشريف عبدالله فراج من محاضرة الأديب محمد عبدالجبار

محاضرة عن الاديب عبدالله عبدالجبار

محاضرة عن الاديب عبدالله عبدالجبار

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: